محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
107
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
عباد اللّه المخصوصون ينقسمون إلى قسمين : مقربين ، وأبرار . فالمقرّبون : هم الذين أخذوا عن حظوظهم وإرادتهم واستعملوا في القيام بحقوق ربّهم عبودية له وطلبا لمرضاته ، وهؤلاء هم العارفون والمحبّون . والأبرار : هم الذين بقوا مع حظوظهم وإراداتهم ، وأقيموا في الأعمال والطاعات ليجزوا عليها رفيع الدرجات في الجنات وهؤلاء هم الزاهدون والعابدون . وكل واحد منهم ممدود في مقامه الذي هو فيه بمدد إلهي اقتضى منهم القيام بحقوق مقاماتهم على اختلافها ، فإذا رأيت عبدا للّه أقامه اللّه تعالى في أعمال البر الظاهرة ومواصلة الأوراد المتواترة ، وأمدّه في ذلك بالمعونة والتيسير فذلك من اختيار اللّه تعالى له ، فلا تحتقرن ذلك لأجل أنك لم تر عليه سيماء العارفين من ترك الاختيار والبراءة من الحظوظ والإرادات بين يدي المريد المختار ، ولا بهجة المحبين من الشغف بمرضاة محبوبهم ، والانبساط والإذلال بين يدي حبيبهم ، فلو لا الوراد الإلهي الذي أورده اللّه تعالى عليه ما استقام على عمله وورده ، فهو لم يخرج عن دائرة عنايته وحفظه ورعايته ، فلا تستحقر خطير ما منحه ، وتستقل كثير ما ربحه ، إلا من وجود جهلك ونقصان عقلك . وسيأتي من كلام المؤلف رحمه اللّه تعالى : « لا يستحقرن الوارد إلا جهول » . قوم أقامهم الحق لخدمته ، وقوم اختصهم بمحبته ، كلّا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ، وما كان عطاء ربك محظورا . الحق - تعالى - له الاختيار التام والمشيئة النافذة لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] : فطائفة أقامهم الحقّ تعالى لخدمته حتى صلحوا لجنته ، وهم الزاهدون العابدون ، كما تقدّم ، وطائفة اختصّهم بمحبته حتى صلحوا لقربه والدخول إلى حضرته ، وهم العارفون والعلماء . قال يحيى بن معاذ ، رضي اللّه تعالى عنه : « الزاهد صيد الحق من الدنيا ، والعارف صيد الحق من الجنة » فإذا شهد العبد انفراد اللّه تعالى بهذه الإقامة والتخصيص منعه ذلك مما ذكرناه من الاستحقار ، وسلم الأمر لمن بيده التدبير والاختيار . قال أبو يزيد ، رضي اللّه تعالى عنه : « اطّلع اللّه تعالى على قلوب أوليائه ، فمنهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفا فشغلهم بالعبادة » وذكر الحافظ أبو نعيم في كتابه « حلية الأولياء » « 1 » عن سهل بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه ، أنه قال : « إن اللّه تعالى يطلع
--> ( 1 ) كتاب « حلية الأولياء » في الحديث مجلد ضخم وهو كتاب حسن معتبر يتضمن أسامي جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم الأئمة الأعلام المحققين والمتصوفة والنساك وبعض أحاديثهم -